محمد بن جرير الطبري
105
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
الناس صنفين ، اما من كان له فيك هوى فخرج إليك ، واما من كان يرى رأى المختار ، فلم يكن ليدعه ، ولا ليؤثر أحدا عليه ، فلم أبرح بيتي حتى قدمت ، قال : صدقت ، وبعث عباد بن الحصين إلى جبانة كنده ، فكل هؤلاء كان يقطع عن المختار وأصحابه الماء والمادة ، وهم في قصر المختار ، وبعث زحر بن قيس إلى جبانة مراد ، وبعث عبيد الله بن الحر إلى جبانة الصائديين . قال أبو مخنف : وحدثني فضيل بن خديج ، قال : لقد رايت عبيد الله ابن الحر ، وانه ليطارد أصحاب خيل المختار ، يقاتلهم في جبانة الصائديين ولربما رايت خيلهم تطرد خيله ، وانه لوراء خيله يحميها حتى ينتهى إلى دار عكرمة ، ثم يكر راجعا هو وخيله ، فيطردهم حتى يلحقهم بجبانه الصائديين ، ولربما رايت خيل عبيد الله قد أخذت السقاء والسقاءين فيضربون ، وانما كانوا يأتونهم بالماء انهم كانوا يعطونهم بالراويه الدينار والدينارين لما أصابهم من الجهد وكان المختار ربما خرج هو وأصحابه فقاتلوا قتالا ضعيفا ، ولا نكاية لهم ، وكانت لا تخرج له خيل الا رميت بالحجارة من فوق البيوت ، ويصب عليهم الماء القذر . واجترأ عليهم الناس ، فكانت معايشهم أفضلها من نسائهم ، فكانت المرأة تخرج من منزلها معها الطعام واللطف والماء ، قد التحفت عليه ، فتخرج كأنما تريد المسجد الأعظم للصلاة ، وكأنها تأتي أهلها وتزور ذات قرابه لها ، فإذا دنت من القصر فتح لها ، فدخلت على زوجها وحميمها بطعامه وشرابه ولطفه وان ذلك بلغ المصعب وأصحابه ، فقال له المهلب - وكان مجربا : اجعل عليهم دروبا حتى تمنع من يأتيهم من أهليهم وأبنائهم ، وتدعهم في حصنهم حتى يموتوا فيه وكان القوم إذا اشتد عليهم العطش في قصرهم استقوا من ماء البئر ثم امر لهم المختار بعسل فصب فيه ليغير طعمه فيشربوا منه ، فكان ذلك أيضا مما يروى أكثرهم ثم إن مصعبا امر أصحابه فاقتربوا من القصر ، فجاء عباد بن الحصين الحبطى حتى نزل عند مسجد جهينة ، وكان ربما تقدم حتى ينتهى إلى مسجد